محمد هشام عبيه
![]()

في مثل هذه الصباحات تكون سعيدا كـ"ديك نشيط"، استيقظ مبكرا ونفض ريشه بقوة ليزيل أي أثر للنعاس.. قبل أن يميل على الطبق الممتلئ بالماء أمامه لـ"يسلك" زوره ببضع قطرات عذبة.. ليعتلي سور السطح رافعا جبهته الملونة و"عُرفه" الأحمر للسماء ثم يهتف منبها العالم بأنه "كوكوكووووو"!
هكذا كنت أجلس أمام عجلة القيادة في سيارتي العزيزة الـ128 ذات اللون الأحمر كعُرف الديك فعلا!. كنت سعيدا بكوني سأصل إلى العمل لأول مرة في ميعادي الرسمي وليس بعده بأكثر من ساعتين مثلما يحدث في الغالب! منبهرا بوجه القاهرة في الصباح الباكر الذي يبدو كوجه فتاة تستخدم "كريم تفتيح البشرة".. منتشيا -كمن خرج لتوه من دش بارد في عز الصيف- بأن الطرق لا تزال "أرضية" يمكن أن يسير عليها أهل الأرض بسلام دون الحاجة إلى مركبات الفضاء ومهارت البلاي ستيشن حتى لا "تلبس" في أي "شيء ما" يعبر الطريق بالطول أو بالعرض أو قادما من أسفل -من البلاعة يعني!- أو من أعلى -واقع من عمارة بكل تأكيد!.
أدندن بأن "الدنيا ريشة في هوا" متسائلا عن الطريقة التي تطير بها دون جناحين؟! قبل أن أجد الطريق قد صار مفتوحا أمامي مغريا كقطعة جاتوه من عند "العبد" جاهزة للالتهام. فأضع قدمي اليسرى على "الدبرياج" -أيوه الدواسة الموجودة على الشمال!- حتى أنقل السرعة إلى مستوى أعلى. لم أضغط بقدمي بقوة ولا بعنف ولا بشدة لكن "دبرياجي" النذل قرر أن يفعلها -في هذا الصباح بالذات- لتخرج روحه أي لينقطع سلكه.. "باظ" يعني!
حسنا، لو كنت سائقا ماهرا مثلي -عملت 3 حوادث في أقل من شهر!- فبالتأكيد تعرف أن "الدبرياج" هذا مهم جدا لدرجة أنه من الصعب أن تتحرك بالسيارة بدونه سوى لأمتار قليلة وبصعوبة شديدة جدا. بل إن هذا يحتاج لأن يكون الطريق "سالكا" لينا سهلا تمرق فيه كما تفعل السكينة في الجبنة المطبوخة -لا فاش كي ري يعني!.
هذا موقف "حيص بيص" جديد تضعك فيه الـ 128 وكأنها صنعت من أجل هذا الغرض بالأساس. أحسب المسافة المتبقية على مقر العمل أجدها بضعة كيلو مترات. لو ظللت أسير -بدون دبرياج- ستكون سرعتي أبطأ من سرعة حيوان "الكركدن" التي لا تزيد عن 10 أمتار في الساعة الواحدة. هذا يعني أنني سأصل إلى العمل بعد أكثر من ساعتين من الآن.. تماماً في ميعادي اليومي المعتاد إذن!
أبدأ في السير بالسيارة التي بدت أشبه بـ"وزة" تعاني من المغص، فتترجرج وتندفع إلى الأمام فجأة قبل أن تقف. أدعو الله أن "يخمد" أهالي المحروسة فلا يستيقظ أحد منهم. أو إذا استيقظوا فسدت كل سيارات القاهرة وظلت في أماكنها غير قادرة على التحرك وكأن علبة غراء كبيرة قد توزعت في الشوراع فالتصقت السيارات بالأرض. لكن هذا لم يحدث طبعا!
في لحظات ازدحمت الشوارع بالآف السيارات، وكأنها تلقت إشارة خفية من شيطان ما يخبرها بأن هناك سيارة 128 حمراء قد انقطع سلك "دبرياجها" فهلموا.. هلموا يا أهالي المحروسة، ولتخرجي يا كل سيارات الأرض من جحورك.. لنجعل الطرقات جحيما لا يطاق.. هع هع هع!
وأنا في قلب السيارة أصبحت بالفعل كالفأر "جيري" عندما يحاصره القط "توم" في ركن الحجرة. لا فكاك ولا رحمة. أبذل مجهودا خرافيا للتحكم في السيارة حتى لا يتوقف المحرك في قلب الشارع؛ لأنه لو حدث فمن الصعب أن أتحرك بالسيارة من جديد. يبدأ الجمهور في التذمر على طريقته المفضلة "بيييييييييب.. بيييييييييب!"، ثم يتطور الأمر إلى ما هو أرقّ: "ما بتعرفوش تسوقوا بتجيبوا عربيات ليه"، "بعها وهات لك فسبة تبوظ منك برضه فتشتري عجلة بقى.. تشتري عجلة؟ هاها!". ترتفع درجة حرارة غضبي وأفكر في السفر -بالـ128 برضه!- إلى أفغانستان لشراء مدفع رشاش ماركة "ابن لادن" أفرغه في كل هؤلاء الأوغاد الظرفاء جدا. تقترب المسافات شيئا ما قبل أن أفاجأ بالكارثة.
"كوبري"! هذه "خزعبلات" طبعا. الصعود على كوبري مزدحم بسيارة دون "دبرياج" أشبه بالهبوط من طائرة على ارتفاع 1000 قدم دون "باراشوت"!؛ لأنه إذا صعدت السيارة لأمتار ثم توقفت بسبب الزحام ستندفع لأسفل بظهرها مباشرة لـ"ترشق" فيما لذ وطاب من السيارات التي تقف خلفها. الحل إيه؟! أستحضر روح "ماكيجفر" -من كان يشاهد برنامج (اخترنا لك) في التسعينيات سيتذكره فورا!- وأفكر بطريقة عملية "ماذا عن الدوران من أسفل الكوبري؟!"، هذا اقتراح لطيف مشكلته الوحيدة ليست في طول المسافة وإنما في أني سأعبر خط "مترو مصر الجديدة" وربما يكون الطريق مزدحما أكثر. لكن لا بديل. أشحذ الهمة وأستعين بالله ومن أسفل الكوبري أسير بسرعتي الخارقة وقد تحول قميصي إلى قطعة قماش عجيبة الملامح بفعل عرق التوتر والشمس التي بدأت تراقب الموقف من أعلى. طبعا كان لا بد أن تتوقف السيارة على قضبان "المترو" وكان لا بد أن يتطور هزار الزملاء الذين يقفون بسياراتهم خلفي إلى "سب علني فاضح" دون أن يهتمّ أحد منهم بالسؤال عن سبب العطل أو حتى الصبر قليلا؛ لأنه ليس من المنطق بكل تأكيد أني أخرج من منزلي كل صباح حتى أقف بالسيارة عن عمد فوق قضبان المترو!
تتحرك السيارة أخيرا كـ"بنت بلد" حقيقية قادمة من حارة شعبية أصيلة وتنقذني من الاشتباك الذي كدت أقع فيه مع السائقين الذين لم يسمعوا أبدا عن "إن الله مع الصابرين"، لكنها كأي إيطالية ترتدي "ملاية لف" -بأتكلم عن العربية طبعا!- تقف تماما بعد عدة أمتار وفي أسخف مكان ممكن.. على يسار الشارع!
هكذا يبدأ العرض المستحيل، وتنهال عليّ الأفكار الوجودية عن أحلام المواطن المصري البسيط التي تتضاءل يوما بعد يوما مع ضيق خيارات الحياة به، كل هذا لأن كل أحلامي الكبرى في الدنيا -انحسرت في هذه اللحظة- في أمر واحد فقط هو دفع السيارة من مكانها على يسار الشارع إلى يمينه حتى أستطيع أن أتركها مطمئنا للبحث عن ميكانيكي! لو ظهر لي في هذه اللحظة شيطان "فاوست" وعرض علي أن أبيع له تراثي الإنساني كله -وهو تراث عظيم كما تعلم!- مقابل نقل السيارة إلى يمين الشارع لوافقت على الفور. كنت في وضع -بعيد عنك- لا يوصف، السيارات تأتي من على اليمين سريعة مندفعة وكأن "هويسا" ما كان يحجزها لسنوات قبل أن تظهر الفنانة "شادية" -كما فعلت في فيلم (شيء من الخوف)- لتفتح الهويس وتندفع المياه أقصد السيارات، مع فارق أنه لا وجود هنا لموسيقى "بليغ حمدي" التي تشعر معها بأن الأرض تهتز طربا. وأنا ألوّح بيدي في جزع للقادمين كغريق في عرض البحر طالبا منهم الانتظار لثوانٍ فقط ولا أحد يهتمّ حتى بالنظر إليّ لدرجة أني تصورت للحظة أني صرت كائنا غير مرئي! دعك من أنه لا أحد من السائرين على أقدامهم اهتمّ بأن يسأل "أي خدمة يا مان" أو جاء من تلقاء نفسه ليدفع السيارة معي. مما جعلني أتصور أن الموضوع ليس أكثر من كابوس وأني سأستيقظ بعد لحظات لأكتشف أني نمت –ولا مؤاخذة- بدون غطاء!
لكن الفرج أتى فجأة. وتوقف سيل السيارات المنهمر. فتحمّست وقد قررت الاتصال بالفنانة "شادية" لأشكرها على إغلاق "الهويس" مرة أخرى!، لكن قبل أن أتحرك للحظة واحدة خرج ضابط شرس من اللامكان وهو يهتف في عنف كأنه ضبطني متلبسا مع سيارتي في وضع غير لائق: "اثبت مكانك!"، فأثبت طبعا ومن يجرؤ على التنفس بعد هذا التثبيت؟! وقبل أن أحاول ستر عرض السيارة بأي ورقة ملقاة في الشارع، أجده يستقل "موتوسيكل" من طراز حديث وهو يلوح يمينا ويسارا ثم تمر سيارة مرسيدس سوداء فخيمة في سرعة إلى جواري وخلفها تهرول عدة سيارات للشرطة، ويلحق بهم ضابط "التثبيت" بدوره وهو ينظر لي شذرا ثم يختفون جميعا.. لحظات وقد مرت "التشريفة" بسلام تعود الفنانة "شادية" إلى فتح "هويسها" وتنهمر السيارات من جديد وأنا لم أستوعب ما حدث بعد!
"يا الله.. يا ولي الصابرين" أقولها من قلبي وقد وصلت إلى مرحلة متأخرة من الفوران والضيق والزهق والغضب لدرجة أنه لو عرض عليّ أحدهم شراء السيارة في هذه اللحظة مقابل "سكوتر" لفعلت!، لكن مصر حلوة برضه. أخيرا انتبه أحد السائرين إلى أني في أزمة ما، وأني لا أقف على يسار الطريق ولا أشير للسيارات القادمة كمجذوب على سبيل الرياضة الصباحية. وبعد دقائق نجحنا في دفع السيارة إلى الجانب الأيمن فعلا وسط تذمر العديد من السائقين؛ لأننا تجرأنا وقطعنا الطريق بالعرض لثوانٍ معدودة وكأنه كان يجب علي أن أتصل بـ"الإسعاف الطائر" لينقل السيارة إلى الجانب الأيمن من الشارع!
لم يستغرق الأمر الكثير من السؤال حتى توصلت إلى العم "عابدين". كان يحمل جزءا من اسمه فعلا لدرجة أني لمحت في تفاصيل وجهه العجوز ذلك المشهد المهيب الذي حدث منذ ما يزيد على مائة عام أمام قصر "عابدين" عندما وقف القائد الوطني الفذ "أحمد عرابي" ليقول للخديوي "توفيق" مقولته الشهيرة: "لقد خلقنا الله أحرارا ولن نورَّث بعد اليوم". استقبلني بابتسامة مشجعة -عم "عابدين" طبعا وليس الخديوي "توفيق"!- ثم صحبني إلى حيث ترقد السيارة المصابة بداء "الدبرياج". وهو يجلس خلف مقعد القيادة حذرته من أن السيارة لن تتحرك خطوة واحدة؛ لأنها "جابت آخرها" فابتسم وهو يقول "اركب بس". فأركب بس.. ويدير المحرك في هدوء ثم يرفع قدمه عن دواسة البنزين في حذر وثقة. تتحرك السيارة "الخاينة!" مع عم "عابدين" وكأنها تلبي نداء الغريب فقط! قبل أن نصل أمام "ورشته" فينهي الأمر في دقائق معدودة.. تزقزق العصافير وتتلون الحياة بألوان مبهجة من جديد وأتذكر أني تأخرت عن ميعاد العمل الرسمي ثلاث ساعات! فأضحك رغما عني.. ثم يروي لي عم "عابدين" قصته مع "التشريفة" التي فاجأته -ذات يوم- وهو يصطحب ابنته في سيارته متّجهين إلى امتحان الثانوية العامة. وكيف أنه رفض الامتثال لـ"ضابط التثبيت" وأصر على اختراق الحصار الأمني المعتاد من أجل توصيل ابنته إلى المدرسة في ميعادها، وكيف أن الضابط كان "إنسانا" وقرّر تحمل مسئولية هذا العمل بنفسه. أعود لتأمل ملامحه من جديد وأستحضر صورة "أحمد عرابي" مرة أخرى ثم وأنا أستقل السيارة متجها إلى عملي أخيرا أرى الشوارع وقد خلت تقريبا من السيارات وقد اختفت الشمس وراء بعض السحب فصار الجو لطيفا ناعما. أمسك بـ"سلك الدبرياج" المقطوع وأربت عليه في مودة شاكرا إياه على هذا الصباح المختلف..


