علاء مصباح

لا شك أن "أنيس منصور" هو رائد أدب الرحلات فى الأدب العربي المعاصر، فكتابه "200 يوم حول العالم" لا يزال أهم ما كتب في هذا المجال، ولا يزال يتصدر استفتاءات الشباب عن أهم الكتب واعتبرته اليونسكو أكثر الكتب العربية انتشارا، ولا تزال طبعاته تتوالى وتنفد في كل مرة.. إلى جانب "200 يوم حول العالم" كتب أنيس منصور كتبا أخرى في أدب الرحلات منها "بلاد الله.. خلق الله".
والكتاب مقسم بين رحلاته في الكونغو وألمانيا وإيطاليا والنمسا وسويسرا.. وكعادة "أنيس منصور" فهو يصف لك مغامراته بمنتهى الدقة، فتشعر أثناء قراءتك لكتبه أنك معه تسير إلى جواره وتركب معه التاكسي وتتحاور مع صاحب الفندق بل وتنام أيضا معه في غرفة الفندق شاكيا من الناموس.. الوصف دائما دقيق، ولا يبالي "أنيس منصور" بمعالم البلد السياحية التي يزورها بقدر ما يبالي بأهلها وطباعهم وحياتهم وأنواع الأكل هناك!
أكثر الرحلات إثارة في الكتب هي رحلته الفريدة إلى الكونغو.. كان مسترخيا في بيته وفجأة جاءه اتصال هاتفي ودار هذا الحوار القصير:
ـ هل تسافر إلى الكونغو؟
ـ نعم!
ـ الآن..
ـ فورا!
ـ أنا كنت متأكدا من ذلك!
ـ شكرا!
وهكذا حكم "أنيس منصور" في لحظة على نفسه بأن يصاحب القوات المصرية الراحلة إلى الكونغو في هذه الفترة من الستينات كمراسل صحفي لجريدة أخبار اليوم.. ويصف "منصور" هذه اللحظات قائلا:
"من الغريب أن الوقت لم يتّسع لأعرف إلى أين أنا ذاهب.. ولا كم طول المسافة.. ولا كم ساعة نقطعها.. ولا ما هو أول مطار.. ولا كم يوما سنبقى هناك.. لا شيء.. لا معلومات.. لا فلوس.. لا ملابس.. وكل ما عندي من معلومات هو هذا الحوار القصير الذى أعتزّ به وأردده كلحن جميل"!
وهكذا بدأت الرحلة.. في طائرة عسكرية وجد "منصور" نفسه وسط الجنود بلا أجهزة تكييف.. الطائرة تقلع باهتزازات عنيفة، وبعد قليل تعود الطائرة إلى مطار القاهرة من جديد.. لماذا؟.. لأن أجهزة التكييف قد فسدت ولا بد من إصلاحها.. ومن مطار القاهرة طارت الطائرة إلى مطار الخرطوم.. ومنه بدأت رحلتها الطويلة إلى أواسط أفريقيا.. ومن الطائرة رأى "منصور" الكونغو.. الاخضرار الواسع.. الغابات العالية الكثيفة المظلمة الصامتة.. ونزل "منصور" مع الجنود إلى أرض الكونغو ليستقبلهم ممثلو الأمم المتحدة.. وهنا صدرت التعليمات.. احترسوا من الأمراض الخبيثة!..
وطلب الطبيب الدنماركي منهم ألا يصافحوا أبناء الكونغو، وهو ما لم ينفذه "منصور" طبعا.. فكان كلما رأى واحدا من الكونغو تقدم إليه وصافحه.. ويعلل "منصور" ذلك قائلا:
"من عادة أهل الكونغو أن يمدوا أيديهم بالسلام.. فقد كان من المحرم عليهم أن يصافحوا البلجيكي الأبيض.. ثم إن هذا البلجيكي قد عاش عشرات السنين وهو يقطع أيدي أبناء الكونغو لأتفه الأسباب.. فإذا نحن ترفعنا عن مصافحتهم، ونحن أفريقيون مثلهم، كنا أسوأ من البلجيكيين المستعمرين"!
وتتواصل مغامرة "منصور" في الكونغو بين الحشرات المتوحشة ورفاقه الصحفيين ورجال الأمم المتحدة وأهالي الكونغو، ليغادر البلاد بعدها بثلاثة أيام، لتبدو الرحلة القصيرة في نظر "منصور" أقصر كثيرا من أن يتعرف على أهل الكونغو أو على الكونغو نفسها.
أما رحلة "منصور" إلى ألمانيا فتأخذك في جولة إلى ألمانيا ستينات القرن العشرين، حيث البلد تنفض غبار الحرب العالمية الثانية التي دمرتها وتعيش تحت الاحتلال الأمريكي والروسي.. ورغم ذلك يبدي "منصور" انبهاره بهذا البلد.. في وقتها كان عدد الفائزين بجائرة نوبل من ألمانيا 3 في السلام و7 في الأدب و10 في الطب و15 في الطبيعة و22 في الكيماء، بينما كان عدد الفائزين بنوبل في القارات آسيا وأفريقيا وأستراليا رجلان فحسب.. كان ذلك في الستينات.
ويحدثك "منصور" عن ألمانيا الستينات التي عاد إليها اليهود بكل قوة وكل مرارة، حتى سيطروا عليها وعلى التعليم، حيث تجد مقررات الكتب الدراسية تحدثك عن إسرائيل، وراح اليهود يعيدون كتابة تاريخ ألمانيا، ليدرك الألمان جريمتهم الفادحة في حق اليهود.. ففي الكتب الدراسية نجد الحياة في إسرائيل مقررة على الطلبة.. والحياة في المستعمرات اليهودية ضمن موضوعات الإنشاء.. كما أن دور النشر اليهودية أعادت كتابة التاريخ وأظهرت الألمان أمام أنفسهم وحوشا وسفاحين.. وهكذا يجب أن تظل خطيئة "هتلر" خطيئة الألمان إلى الأبد، ويجب على الألمان أن يعوضوا كل يهودي عن كل ما فقده.. فهم يطلبون تعويضات عن الأب والابن والبيت والسيارة والكلب والمصنع والمعبد والمكتبة.. وكل هذه الأموال ذهبت وتذهب إلى إسرائيل.
ولقد زار منصور إيطاليا ما يقرب من ثلاثين مرة، ولكن هذه الزيارات المتكررة لم تجعل إيطاليا كالخبز أو مذاقها كالماء.. إنها دائما جديدة.. إنها بلاد سياحية.. ترى فيها الجديد دائما ولا تملُّ منها أبدا!
ومن إيطاليا إلى النمسا وروسيا.. يأخذك "أنيس منصور" في جولات مختلفة واصفا رحلاته من لحظة وصوله بالطائرة إلى البلد ثم استقلاله التاكسي وحكاياته في الفنادق وجولاته في شوارع مدن أوروبا.. كل ذلك بأسلوب ساحر جذاب لا تملك معه أن تترك الكتاب لحظة، وكأنك تتأمل مع الكاتب في "بلاد الله..خلق الله"!


