history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

مروة جمعة

مؤكد عزيزي القارئ أنك جازفت مرة وفتحت التلفزيون -هذا إذا كنت من عديمي الدش- ووجدت "لوجو" حملة مهرجان القراءة للجميع يزين الشاشة، ثم فوجئت بتلك المذيعة الـ (إلخ.. إلخ)، وهي تصرخ بعنف في وجه الضيف "بس كده يا فندم الكتاب راح.. راح.. راح.. الانترنت والـ S.M.S، والوسائل الحديثة، دخلوا في المنافسة.. وده ما يمنعش خصوصية الكتاب اللي لازم نحافظ عليها، ده ممكن ناخده معانا في أي مكان، واحنا في الساحل الشمالي مثلاً!"

اصطدمت مؤكداً بمثل هذه المناقشات العديدة واللا نهائية، مناقشات "موت الكتاب"، كوسيلة للتواصل الثقافي والأدبي، في ظل عصر العولمة، وانتشار وسائل الاتصال الحديثة.. تخيل وأنت في 2008 أن هذا الجدل الدائر الآن حول أهمية "الكتاب"، كان محوراً لمقال نشرته مجلة الهلال في عددها الصادر في مارس 1950.. كتبه أحد أعمدة الفن القصصي "محمود تيمور" ( 1894- 1973). بعنوان (هل انتهى عهد الكتاب؟)- في عز مجد الكتاب.. وفي عز نهم الشعب للقراءة لدرجة أن تصدر سلسلة روائع الكتب التراثية مسلسلة بأسعار رمزية، تحت مسمى (كتاب الشعب)، وغيره بالطبع. صحيح أن الخط الموازي لهذه الظواهر الثقافية في عصرنا الحالي هو (مهرجان القراءة للجميع)، و(مكتبة الأسرة).. لكن للأمانة ليس بنفس صدى تلك السلاسل القديمة..

عودة لـ"محمود تيمور"، ربما تندهش مثلي في ظل انتشار الكتب الرهيب في ذلك العهد.. وتتساءل "أي وسيلة اتصال حديثة هذه التي جعلت الكاتب يناقش مثل هذه القضية في مطلع الخمسينيات؟!".. قد لا تتخيل طبعاً أن الكاتب يقصد "السينما، والإذاعة اللاسلكية –الراديو- وأن من الممكن أن يطوي المستقبل صحائف الكتاب -حسب وصف الكاتب- بانتشارهما!

أشار الكاتب في بداية مقاله إلى مشكلة الجدل الدائر حول هذه المسألة، وبدأ بهذا السؤال "هل تسيء الإذاعة والسنيما إلى الأدب الرفيع؟.. لقد طالما جرت في هذا الشأن أحاديث المجالس، ومناقشات الأندية، وانفردت ببحثه مقالات في الصحف والمجلات..." أشبهت الليلة البارحة!

الاعتقاد الشائع -أو المعتاد- لدى القارئ أن الكاتب سيتبنى وجهة نظر هجومية ضد السينما والإذاعة (كوسائل حداثة).. لكن على العكس من المتوقع نوقشت المشكلة بشكل موضوعي جداً.. بل إنه قال "مهما يكن من أمر، فلا حق لنا في خشية ولا إشفاق، ولا عذر لنا في الوقوف أمام "الكتاب" نندب مصيره المخوف"، بل إنه "من التغالي في التقدير أن ننزل "الكتاب" تلك المنزلة من التقديس، فنقول بأنه عماد التفكير والتثقيف والتفنن، إن انتقص قدره، أو انتسخ ظله، فلا فن ولا ثقافة ولا فكر"..

الكاتب هنا ركز على كون الأديب قد يصور لحظات وصفية عدة في كتابته "تعبيرات الأبطال مثلاً"، ستختصر السينما هذا بمجرد ظهور الممثل على شاشة العرض بالتعبير المطلوب –كتلخيص لصفحات طوال من الوصف- وكذلك مذيع الإذاعة.. وبالتالي السينما وسيلة رائعة لنقل الأفكار والقيم.. كالكتاب تماماً..

منطقي جداً هذا الكلام في توقيته، وفيما بعد ذلك التوقيت بسنوات قلائل، خاصة وأن الإذاعة فعلاً كانت تقدم ثقافة وفكراً وخبراً، خير دليل "إذاعة صوت العرب" التي تعادل الآن قنوات مثل الجزيرة، والعربية، والـ BBC. السينما أيضاً كان بها تيار جديد في ذلك التوقيت على سبيل المثال ظهور "صلاح أبو سيف" كرائد للواقعية.. على الرغم فعلاً من ازدهار هاتين الصناعتين.. لم تتحقق نبوءة تيمور -بدء التخلي عن الكتاب- إلا بعدها بوقت متأخر.. ربما بعد الانفتاح الاقتصادي، أي بعد رحيل الكاتب عن عالمنا بالفعل!

يعترض البعض الآن على أنه بالفعل ليست هناك أية مغالاة في وضع الكتاب في مكانة مقدسة، بل على العكس.. هي مكانة يستحقها الكتاب، بحكم الأقدمية، والخصوصية التي يتمتع بها.. خاصة أن وسائل الاتصال لم تعد قاصرة على السينما فقط ولا الإذاعة، بل دخل التليفزيون في الستينيات.. والدش تقريباً في أوائل التسعينيات.. الإنترنت والموبايل أخذا في الانتشار بالفعل من 2000 فيما فوق.. مما يعني حصاراً شاملاً للكتاب.. الطريف أنه على الرغم من كساد سوق الكتاب.. إلا أن هناك فئة تستعذب المنظرة والافتخار بكون فلان الفلاني كاتبهم المفضل.. وهم كُثر!

المحزن بالفعل أنه إذا سلمنا بأن الوسائل الحديثة قد تكون مسعفة عن الكتاب، سنجد أن معظم هذه الوسائل تحتاج إلى "فلترة" -فلترة وليست قيوداً كما يحلو للبعض ترديدها- فلترة من الأب والأم في ظل الانشغال الرهيب بهموم الحياة –حجة ليست مقبولة لكن منطقية- تخيل عزيزي أنك سلمت بأن السينما أو الإنترنت وسيلة آمنة لنقل: قيم ومعتقدات لطفلك كبديل عن الكتاب دون تدخل منك.. تخيل؟



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني