بدر حسن شافعي
بعدما أوشكت دورة الألعاب الأوليمبية السادسة والعشرون المقامة حاليا في العاصمة بكين على الانتهاء..يبقى في النهاية التساؤل ماذا جنت الصين من تنظيمها الأولمبياد للمرة الأولى في تاريخها؟؟ خاصة أن تكاليف استضافتها للدورة بلغت 28 مليار يورو بزيادة قدرها 15 مليار يورو عن التكاليف التي أنفقتها اليونان لاستضافة أوليمبياد أثينا 2004. كما أن حفل الافتتاح الذي أبهر العالم أجمع تكلف بمفرده 300 مليون دولار حيث اشتمل على تابلوهات فنية ومؤثرات وخداعا بصريا باستخدام أحدث الوسائل التكنولوجية المختلفة؟
بداية ينبغي القول إن الحديث عن المكاسب لا يقتصر على المكاسب المادية فقط بالرغم من أهميتها، وإنما يتضمن جميع المكاسب خاصة تلك التي تتعلق بعلاقة الدولة المنظمة بمواطنيها من ناحية، وعلاقتها بالعالم الخارجي من ناحية ثانية؟
الاحترام المتبادل بين الشعب والحكومة
لعل أول مكسب لحكومة بكين هو احترام الشعب لها، وسعيه لإنجاح هذا العرس العالمي عن حب وتقدير، وليس عن قهر وإذلال..فالشعب الصيني البشوش أثبت أنه حريص وغيور جدا على بلاده وعلى صورتها أمام العالم.. فلم يتضايق ولم يتضجر بالرغم من بعض القرارات التي اتخذتها الحكومة بمناسبة هذا الاحتفال...خاصة أنه يدرك أن الحكومة إنما تقوم بذلك من أجل رفع مستواه المعيشي في مجالات الحياة كافة.. لذا كانت هذه الروح العالية بين الشعب من ناحية والحكومة من ناحية ثانية هي أهم المكاسب. فالحكومة أنفقت جزءا كبيرا من هذه التكاليف على تجديد وتطوير البنية الأساسية وبناء منشآت رياضية جديدة سوف تعود بالنفع على هؤلاء المواطنين بعد ذلك، وفي المقابل ضرب الشباب الصيني أروع الأمثلة في التضحية من أجل هذا الوطن، فقد بلغ عدد المتطوعين في الأعمال الخاصة بالإعداد للدورة، بدءاً من بناء المراكز الأوليمبية وتجديدها، إلى الدعاية والتسويق، حوالي 70 ألف متطوع وهو معدل لا تجده إلا عند أمة شديدة الاعتزاز بنفسها وراغبة في أن تظهر قدرتها على الإنجاز جلية أمام العالم.

إثبات التفوق الصيني منذ اليوم الأول للدورة
نفس الإصرار والتحدي والحرص على البذل والعطاء وجدناه وشاهدناه عند الرياضيين الصينيين الذين يرغبون في اكتساح هذه الأولمبياد تحديدا، لعدة اعتبارات أبرزها أنها تتم على أرض وطنهم الغالي وبين أحضان شعبهم العزيز من ناحية، ولتأكيد التفوق وكسر الاحتكار الأمريكي للأولمبياد من ناحية ثانية.. لذا وجدنا التفوق الصيني منذ اليوم الأول للدورة، وفي حالة خسارة أي لاعب لأي ميدالية تجد البكاء الشديد الذي يوضح مدى الحرص على رفعة الوطن واعتبار أن هذا التقصير بمثابة خيانة للوطن. ولعل هذا هو سر التفوق الصيني هذه المرة، والذي يبدو أنه ليس تفوقا بالصدفة المحضة، أو بسبب مجاملة الحكام لأصحاب البلد كما يحدث في العديد من الدول النامية، وإنما هو تفوق ناتج عن تصميم وإرادة أولا، ثم تدريب وجهد وعرق ثانيا.. وهو ما سيشكل تحديا كبيرا أمام الولايات المتحدة في الفترة القادمة، حيث إنها لن تصبح معنية فقط بالتفوق على الصين في المجال الاقتصادي فحسب، وإنما في المجال الرياضي أيضا.
دروس في الأدب
لقد استفادت حكومة الصين من تنظيم الأولمبياد، في تهذيب سلوك مواطنيها ومساعدتهم على التغلب على بعض السلوكيات الخاطئة، وذلك من خلال حملات التوعية أولا، ثم توقيع عقوبات على المخالفين ثانيا، فضلا عن تعريف العالم بالحضارة الصينية التي يجهلها الكثيرون. فلقد وزعت العديد من المدن والبلدات والمدارس والأجهزة الحكومية والمؤسسات كتيبات حول الاهتمام بالآداب، وذلك لأجل الدعاية والنشر لمعايير جميع الآداب. كما قررت زيادة الغرامة المفروضة على مخالفة تعاليم النظام والنظافة. وكان من المفاجآت في هذه الدورة تقديم الفرق المشاركة في حفل الافتتاح حسب الترتيب الأبجدي للحروف الصينية. وهي دلالة واضحة على رغبة الصين في أن تضع بصمتها على هذه الدورة.
إرادة التحدي تكافح التلوث
لقد كانت فكرة تلوث الأجواء الصينية أحد أبرز الانتقادات التي أثارها المعترضون على استضافة بكين للأولمبياد، لكن الصين كان لها رأي آخر، وذلك من خلال وضع خطة طموح للحد من التلوث شملت إقامة حزام أخضر طوله 15 كيلو مترا، وسحب تراخيص 15 ألف سيارة أجرة قديمة ملوثة للبيئة. كما تعهدت الحكومة باتخاذ إجراءات خلال الدورة تشمل وقف العمل في مصانع الصلب الموجودة في منطقة شوجانج طوال فترة الدورة، وتخفيض عدد سيارات النقل التي ستدخل إلى المدينة بنسبة الثلث. وهو ما جعل جميع من شارك في هذه الدورة لا يشعرون بهذه المشكلة.
مكاسب اقتصادية
وبالطبع لا يخلو الأمر من مكاسب اقتصادية متنوعة، فقد كشفت هيئة السياحة بالعاصمة بكين أن التقديرات الأولية تشير إلى استفادة المدينة بمبلغ يصل إلى 400 مليون يورو في صورة عوائد لنشاط السياحة الأجنبية التي شهدتها البلاد خلال استضافتها دورة الألعاب الأوليمبية، حيث تراوح عدد السياح الأجانب الوافدين إلى بكين خلال الدورة ما بين 400 ألف و450 ألفاً،وبلغ متوسط إنفاق الواحد منهم حوالي ألف دولار خلال فترة الإقامة.

وفي قطاع العقارات، تم جذب استثمارات عقارية هائلة للبلاد قبل بدء الدورة بلغت ملياري دولار حتى منتصف العام 2007 وفقا لإحصاءات وزارة التجارة. وأصبحت بكين وشنغهاي من بين أكبر أسواق العقارات في العالم.
وهكذا نجحت الصين في إظهار أنها ليست قوة هامشية في النظام العالمي الجديد، وأنه لا ينبغي أن تقاس الدول بمعايير الديمقراطية الغربية فحسب، إذ إن الصين وفق هذه المعايير متخلفة ديمقراطيا بسبب وجود حزب واحد فقط يهيمن على مقاليد الأمور في البلاد هو الحزب الشيوعي، لكن الدول تقاس بمدى تفوقها الاقتصادي، والتزام شعبها الحضاري، وتفوقها الرياضي أيضا.. وهو ما نجح فيه التنين الصيني... فهل نتعلم من الصين؟؟


