محمد هشام عبيه
![]()

لحظة أن اكتشف ركاب الأتوبيس أن دخانا كثيفا يتصاعد بالقرب من ميدان التحرير. توتر الجميع وقد أدركوا أن الأمر جلل. ولما اقترب الأتوبيس أكثر وأكثر من موقع الحريق انخدع البعض وقال بأنه وقع في الجامعة الأمريكية. زاد التوتر والقلق قبل أن يكسره أحدهم بتفسير مفتكس:
أيوه.. تلاقي البترول اللي مخزنينه فوق سطح الجامعة هو اللي ولّع!
وقبل أن يتطوع آخر ليؤكد لنا أنه شاهد آبار البترول المزعومة هذه وأن ابن خالته -شخصيا- هو المهندس المختص بتكرير البترول داخل حرم الجامعة الأمريكية! ظهر الحق وتبيَّن أن النيران تأكل مجلس الشورى وليس سواه.
لا أعرف هل سمعت تنهيدة ارتياح من البعض عندما تأكدنا أن النيران تلتهم ثاني مؤسسة تشريعية مهمة في مصر أم لعله صفير الرياح والأجواء المرعبة التي كانت تحيط بالمكان هي التي دفعتني لهذا الظن الشرير. ثوانٍ وعرفت أنه ليس كل الظن إثم فعلا إذ قالت السيدة التي تجلس في المنتصف: أحسن عقبال مجلس الشعب بالمرة! قبل أن يبادر آخر بالقول المبين: "المشكلة إن المجلس في إجازة النهارده"! ثم صاح آخرهم -وبصوت جهوري مسموع: ياللا أحسن.. يعني إحنا خدنا منهم إيه"!
وسط هذا الجو العدائي المحموم كان من الصعب أن أقوم بدور المواطن الصالح لأشرح لهم الأهمية الأثرية لمبنى مجلس الشورى وقيمته التاريخية عبر عشرات من السنين وأيضا مدى حالنا السيئ عندما تحترق مؤسسة كمجلس الشورى بغض النظر عن ضعف تأثيره وطبيعة من يسكنون فيه من أهل الحكومة وحبايبها والجاهزين والمؤهلين تماما لرفع اليد بالموافقة فور تلقي الإشارة! وأظن -وبعض الظن حلال بقى المرة دي!- أني لو تفوهت بمثل هذه العبارات لحملوني على الأعناق حتى يلقوا بي في الأتون المشتعل في مجلس الشورى "عشان تحمي تراثك الوطني براحتك"!
لكن الأمر فيه خلل بكل تأكيد. وخلط واضح بين الوطن والحكومات. وبين مؤسسات وتاريخ الناس ومؤسسات وتاريخ المسئولين -إن كان لهم تاريخ أصلا- وبين أشيائنا وتراثنا الذي يجب أن نحافظ عليه ونحزن إن تعرض لمكروه وفيلات وقصور وعزب الناس الكبار الذي لا علاقة لنا بهم من أساسه. من الآخر.. حريق مجلس الشورى كشف أن هناك خلطا واضحا بين أن تكون مصر "بتاعتنا" و"بتاعتهم"!
الإنصاف يجعلنا نقول بأن الناس ليست وحدها المسئولة عن هذا الخلط. لأن التصاق المسئولين –كبيرهم وصغيرهم- بالمناصب واستحواذهم على كل المميزات وما فوقها جعل كثيرين يتصورون أن مصر تم اختصارها في تلك المجموعة الصغيرة -وأتباعها- التي تصل إلى المناصب العليا. هؤلاء الذين فوق المحاسبة والمساءلة والقانون ويتحركون في الشوارع والطرقات وكأنهم في عزبة لا يصح فيها لأي خرسيس مرسيس أن يرفع رأسه عن الأرض لحظة مرورهم أمامه.
الإنصاف يجعلنا نقول بأن ما يتعلمه التلاميذ في المدارس لا يجعلهم -عندما يكبرون- يشعرون بالأسى عندما يحترق مجلس الشورى أو المسافر خانة أو حتى مجمع التحرير -بِعِد الشر- لأنهم بكل بساطة لا يدرسون ما يدفعهم لهذا ولا يلقون في مدارسهم معاملة إنسانية تجعلهم يخشون على تراب هذا الوطن من الهواء الطاير.
دعك من وسائل الإعلام العصرية اللذيذة التي تروّج مع سبق الإصرار والترصد لكل ما هو "منفّر" من الوطن والذي يظهر فيه نجوم مجتمعه -الذين يفترض فيهم القدوة والمثل- وهم يروجون لسلع استهلاكية ما أنزل الله بها من سلطان ولمنتجعات فخمة لا يمسها حتى الميسورون وهو أمر يعمق -بكل تأكيد- شعور الاغتراب عن البلد ويجعل المشاعر هكذا صلدة قاسية حتى تتعامل مع احتراق مجلس الشورى وكأنه حريق في كومة قش في إحدى غابات كاليفورنيا!
لكن الإنصاف أيضا يجعلنا نقول أن ثمة مسئولية علينا. وأن الخلل ليس حكوميا فقط وإنما يسكن في الأنفس وتتوارثه الأجيال في حرص وعناية وكأنه قطعة أرض على النيل ثمنها بالملايين! الخلل يكمن في حقيقةٍ مُرّة قوامها أن كثيرا من المصريين يحترفون الشكوى والانتقاد أكثر مما يتقنون العمل والاجتهاد. يميلون إلى مصمصة الشفاة والتشفي أكثر مما يتحركون للبناء والتشييد. يميلون إلى السلبية المريحة أكثر من الإيجابية التي لها ثمن. يستلسمون للوضع الحالي السيئ وينتظرون الوضع الأسوأ في سعادة وكأنه ليس لهم من الأمر شيء ليصبح من السهل جدا أن تسعد باحتراق مجلس الشورى على اعتبار أنه انتقام رباني "منهم" لكن من الصعب جدا أن تقاوم فاسدا في عملك أو تمتنع عن التزويغ أو حتى تذاكر بما يرضي الله.
سنة 1946 نشر الأديب والمحامي والكاتب "يوسف حلمي" قصة قصيرة في جريدة الأخبار.. يتتبع فيها مصير طبيب شريف رفض العمل الحكومي وافتتح عيادة خاصة في قريته ليعالج فيها أهل بلده. وفي يوم جاءه فلاح مسكين مصابا برصاصة طائشة في قدمه. وبعد أن عالجه صمم على معاقبة ابن ثري وإقطاعي القرية الذي أطلق الرصاص على الفلاح وهو يصطاد بعض الطيور. ولم يكن يعرف أن هذا أمر مستحيل في ظل التقاليد المعروفة في القرية -وفي مصر عامة- بأن الكبير يسحق الصغير دون ثمن. لكنه لم ييأس.. تقدّم ببلاغ إلى قسم الشرطة لم يُحدِث شيئا. كتب عن الواقعة إلى وكيل وزارة الصحة.. ولا الهوا!.. وصل إلى مكتب وزير الصحة ليبلغه بالواقعة الجريمة فتهرب منه. حاول الوصول إلى رئيس الوزراء أكثر من مرة ففشل حتى استطاع أن يتسلل يوما إلى مجلس النواب -يعني ابن عم مجلس الشورى!- ليجبر رئيس الوزراء على مقابلته، فوجده يتهامس مع النواب ويضحك عن طبيب مجنون من إحدى القرى يسعى لمقابلته من أجل أن يبلغ عن حادثة إطلاق رصاص من ابن ثري القرية على فلاح!. ومع هذه الصدمة لم يفقد طبيبنا الأمل.. وتقدم لرئيس الوزراء ليشكوَه. إلا أن الحرس تجمع حوله وألقى القبض عليه بتهمة الاعتداء على رئيس الوزراء فكان مصيره في النهاية أن أودع في مستشفى المجانين! ومع هذا ظل الطبيب الشاب متمسكا بأن يفعل ما يمليه عليه ضميره قائلا بأنه لن ييأس من السعي إلى الأبد من أجل إعادة الحق لأصحابه ومن أجل أن يسود العدل وطنه حتى لو فشل في هذا فيكفيه المحاولة وسيأتي أحد من بعده ليكمل مسيرته.
حسنا.. ربما لو كان هناك بيننا نماذج كثيرة من طبيب "يوسف حلمي" هذا لما فرح بعض المصريين باحتراق مجلس الشورى!


