history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

هناك مقالات ومقالات.. مقالات تنساها بمجرد أن تنتهي من قراءتها، ومقالات تثبت في الأذهان وتستقر وتظل تشغل البال لفترات طويلة، في كل مرة سنقدم لكم واحداً من هذا النوع الأخير.. طبعاً وإلا لما سمّينا هذه الزاوية بـ"مقال عجبني"!

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

لماذا تخلف المسلمون؟
"8"

رجب البنا

يكفي أن نقرأ شيئاً مما يشغل علماء المسلمين؛ لنعرف لماذا تخلفنا‏,‏ حملت إلينا الأخبار أخيراً حوارات اشتد فيها الخلاف في مؤتمر لعلماء المسلمين عقد في ماليزيا‏,‏ لبحث كيف يصلي رواد الفضاء المسلمون وهم في الفضاء‏,‏ وكيفية الوضوء بالماء مع قلة المياه في مركبة الفضاء‏,‏ وكيف يمكن إعداد الطعام طبقاً للشريعة الإسلامية في رحلة في الفضاء قد تستغرق عدة أسابيع‏.‏

واختلف العلماء وهم يبحثون عن الإجابات الشرعية لأسئلة مثل كيفية أداء رواد الفضاء الصلوات الخمس، وهم في مركبة أو محطة فضاء تدور ‏16‏ مرة حول الأرض كل ‏24‏ ساعة‏,‏ بما يعني أن الشمس تشرق وتغرب عليهم عدة مرات في اليوم الواحد‏,‏ والمعضلة التي أعيت جمع العلماء هي كيفية تحديد اتجاه القبلة خلال التحليق حول الأرض‏.‏

هذا المؤتمر مجرد نموذج لما يشغل علماء المسلمين أنفسهم به‏,‏ فليست هناك دولة إسلامية صنعت مركبة أو محطة فضاء‏,‏ وبدلاً من أن يدعو العلماء الأمة إلى اقتحام ميادين علوم الفضاء وانشاء المعامل وجذب العلماء وتوفير فرص البحث العلمي الحقيقي أمامهم للدخول في سباق الدول على امتلاك أسرار التفوق العلمي‏,‏ بدلاً من ذلك يشغلون أنفسهم بالبحث في أمور فرعية ونظرية ليس وراءها طائل سوى تبديد الطاقة والظهور بمظهر الفقهاء المجددين الذين يقدمون الإجابات الشرعية لقضايا العصر‏,‏ والحريصين على أمور الشريعة حتى في الفضاء الذي لا نعرف عنه شيئاً‏!‏

في عام ‏2001‏ نشر الأستاذ "فهمي هويدي" ثلاث مقالات في صحيفة (الشرق الأوسط) عن زيارته إلى أفغانستان ولقاءاته مع عناصر من طالبان‏..‏ سألهم‏:‏ لماذا ترفضون الديمقراطية؟‏‏ فكانت اجابتهم أن الديمقراطية بضاعة غربية‏,‏ وأنها مدخل للفساد والتحلل وهدم قيم الإسلام‏,‏ وقالوا له‏:‏ أنتم أدرى بما جرته الديمقراطية على الغرب من فسق وفجور‏,‏ وقالوا أيضاً إن الديمقراطية تصبح مصدراً لفتنة المسلمين وتهديد معتقداتهم‏,‏ وقالوا بعد ذلك إن التليفزيون حرام لأن التصوير حرام‏,‏ ولذلك هدموا تماثيل بوذا بناء على فتوى علماء طالبان‏,‏ وللأستاذ "فهمي هويدي" سلسلة مقالات أخرى عن أفكار ونظام حكم طالبان‏,‏ فيها ما يكفي لترديد القول المأثور‏:‏ أيها الشريعة الإسلامية‏,‏ كم من الجرائم ترتكب باسمك‏,‏ وكم من المصائب ستحدث لكل مجتمع يحكمه من يدعون أنهم مفوضون للحكم باسم الله‏.‏

فالإسلام السياسي الذي يسعى إلى السلطة أثبت عملياً في أفغانستان وغيرها أنه يرتكب أخطاء لا تغتفر حين يصل إلى الحكم‏,‏ وينطبق ذلك على الماضي والحاضر وكل مراحل التاريخ التي ادعى فيها الحكام أنهم الممثلون للإسلام، وأنهم يطبقون حكم الله‏,‏ وفي العصر الحديث ظهرت صور جديدة من الإسلام السياسي تجيد تعبئة عناصر من الشباب بالشعارات البراقة‏,‏ ولكي يحقق قادة الإسلام السياسي أهدافهم بالوثوب على الحكم استخدموا سلاح التكفير على أوسع نطاق ورفعوا شعار تطبيق الشريعة وكأن المجتمع ضد الشريعة الإسلامية‏,‏ بينما الشريعة الإسلامية مطبقة بالفعل في العبادات وفي كثير من المعاملات‏,‏ وهذا التيار السياسي هو الذي خرجت من عباءته جماعات التطرف والإرهاب والجماعات التي يطلقون عليها في السعودية الفئة الضالة‏,‏ وهذه الجماعات أباحت قتل الأبرياء وتدمير وتخريب وتفجير منشآت تعمل لصالح المجتمع‏,‏ والأخطر من ذلك أنها عملت على تخريب عقول قطاع من الشباب‏,‏ وكان من الممكن أن تنجح هذه الفئة الضالة في تدمير وتآكل العالم الإسلامي من الداخل بحماقات الدعوة إلى الطريق الدموي‏,‏ صحيح أن بعض علماء المسلمين حذروا من جعل القضايا الخلافية هي كل هموم المسلمين بدلاً من توجيه الجهود لبناء المجتمعات الإسلامية وتأهيلها للدخول في السباق العالمي وامتلاك القوة‏,‏ وصحيح أن هؤلاء العلماء نبهوا إلى أن مشكلة المسلمين ليست في تغطية أو عدم تغطية الوجه بالنقاب واليدين بالقفازين بل في انتشار الرشوة وخراب الذمم‏,‏ وسوء الإدارة وإلغاء العقل‏,‏ وتجميد الفكر‏,‏ وتخدير الإرادة‏,‏ وقتل الحرية‏,‏ وتجاهل الحقوق‏,‏ وتفشي الأنانية‏,‏ وإعلاء الحكام على الشعوب‏,‏ والقوة على الحق‏,‏ والمنفعة على الواجب‏..‏ حرام أن يشغل المسلمون أنفسهم بمسائل مثل تحريك الأصبع في التشهد‏..‏ ولا ينشغلون بتحسين أحوال بلادهم وتقدمها‏!‏ لكن أصوات عقلاء الأمة وعلمائها ضاعت في غوغائية الفئة الضالة‏.‏

تخلف المسلمون؛ لأن منهم من ساروا وراء شعارات عامة وغامضة عن الحل الإسلامي دون أن يقولوا بالتحديد ما هو هذا الحل الإسلامي وكيف يمكن تطبيقه في مجتمع لا يستطيع أن ينفصل عن تيار الفكر العالمي وعن الحضارة الحديثة السائدة؟ وما هو برنامجهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالتفصيل‏؛‏ لأن الإسلام دعوة للقوة الشاملة وللتقدم ولبناء المستقبل‏,‏ وليس دعوة للجمود وعبادة الماضي‏.‏والشعارات لاتكفي لحكم الشعوب.‏

عن جريدة (الأهرام)

اقرأ أيضا:

لماذا تخلف المسلمون؟
"7"

لماذا تخلف المسلمون؟
"6"

لماذا تخلف المسلمون؟
"5"

لماذا تخلف المسلمون؟
"4"

لماذا تخلف المسلمون؟
"3"

لماذا تخلف المسلمون؟
"2"

لماذا تخلف المسلمون؟
"1"



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني