د.أيمن محمد الجندي

الحكاية مكررة ولا تستحق مقالاً منفرداً، لكن دلالتها خطيرة وتهمك بالتأكيد.
بعض الشباب المراهق راق لهم -لسبب أجهله- التجمع عند ناصية بيتي، بالضبط تحت نافذة غرفة النوم.. في البدء كان العدد قليلاً والأصوات محتملة والنوم ممكناً.. بالتدريج تكاثروا كالصراصير، وتعالت ضحكاتهم الفاجرة مصحوبة بسباب بذيء يتعلق بشرف أمهاتهم.. جربت كل الحيل الممكنة كإغلاق النافذة، ووضع الوسادة على أذني دون جدوى.. ولم يكن ممكناً احتمال الوضع إلى ما لا نهاية، خصوصاً وقد بدأت سهراتهم تمتد حتى الرابعة فجراً فبدأت في الخروج إلى الشرفة طالباً منهم الانصراف بسلام، لكن أحدهم سخر مني قائلاً إن هناك بعض (الحوارات) بينهم.
بدأت الصراخ لأكتشف أن حناجرهم أقوى بمراحل، فانتقلت إلى مرحلة الشتائم؛ لأكتشف أن قاموسي اللغوي في حالة يرثى لها، فسباب من قبيل "يا صفر.. ويا حثالة" لم يصمد أمام حصيلتهم اللغوية المدهشة، وذوقهم المرهف، وبلاغتهم التي ترقى بالنثر إلى الشعر وبالشعر إلى الإلهام.. يقيناً كانوا يملكون ناصية لغتهم إلى حد كان سيدهش حتماً "أبو العلاء المعري" نفسه.
وهكذاً استنفدت بسرعة كل الحيل، ولم يعد هناك مفر مما كنت لا أتصور أن أفعله أبداً: الاتصال بالنجدة!!
.....................
بأصابع مرتجفة شرعت أطلب الرقم المخيف (122) الذي لم أتصل به أبداً في حياتي.. وبخلفية مواطن مصري عادي كنت أشعر بالرهبة خصوصاً وخيالي الجامح كان يرسم لي صورة دائرة اتصالات الكترونية معقدة وسيارات شرطة مسرعة تتألق بألوانها المتوهجة المخيفة وصفارات إنذار في حالة إسهال هستيري توطئة لانقضاض رجال أشداء خطرين يحاصرون المكان في غمضة عين.
لكن ما حدث كان محبطاً.. الهاتف مشغول باستمرار حتى تساءلت عن فرص النجاة لو اقتحم داري لص.. في النهاية رد صوت متثائب أشعرني بالخجل؛ لأنني أزعجته... تلقى مني الرجل بلاغ الإزعاج في سكينة رهبان التبت.. الخلاصة أنه تأكد لي أنه لن يفعل شيئاً..
وقد كان..
لذلك في المرات التالية صممت على محادثة الضابط شخصياً قائلاً إن الحرمان من النوم -بهذا الشكل المتصل- يدمر الجهاز العصبي لأقوى الكائنات ويدفعه لارتكاب جريمة.. رق لي قلب الرجل ووعدني بسيارة نجدة..
مرة تأتي السيارة ومرات لا تأتي.. هذا سيناريو حياتي منذ عام وأكثر.. أنا لا أعرف -عزيزي القارئ- طقوس نومك، فطقوس نومي زمان –على سبيل المثال- كانت تشتمل على احتساء كوب كركديه ساخن وقراءة قصة بوليسية لزوم النزاهة والاستمتاع بالحياة.. والآن صارت تتضمن الاتصال بالنجدة كل ليلة حتى نشأت علاقة ود حميمة مع الشاويش.. صحيح أنهم لا يأتون أبداً لكن الود موجود!
.....................
سكان الحي أخبروني بأصل الحكاية.. وكيف تحول الشارع الذي كان هادئاً كقطة نائمة منذ عامين إلى ما يشبه أوتوبيس العتبة.. السبب يا سيدي هو الهرمونات!!!
افتتاح بعض المحال التجارية الخاصة بملابس النساء، وبعض البائعات الحسناوات جذب الشباب المراهق.. ومثلما يحدث في عالم الحيوان من صراع شرس بين الذكور، فقد نشبت بعض المشاجرات فقد فيها شاب في عمر الزهور حياته وضاع مستقبل قاتليه الذين ذهبوا من المدرسة الثانوية إلى سجن الأحداث مباشرة..
وتصورت بعدها أن الآباء –ولو من قبيل الحرص على حياة أبنائهم– سيمارسون دورهم الرقابي لكن الوضع ظل على ما هو عليه..
سكان الحي استدعوا النجدة عدة مرات، لكن المدهش أنهم ضربوا النجدة علقة ساخنة.. تصور!!!.. تبين فيما بعد أن أحدهم ابن ضابط كبير والثاني ابن مستشار والثالث ابن عضو مجلس الشورى.. المضحك أن النجدة اتصلوا -باكين مولولين- طالبين المدد فجاءهم الأمر بالانسحاب فوراً وبلا وقار.
.....................
ضع نفسك مكاني.. إذا كانت الشرطة (تأكل) علقة فماذا يصنع إنسان بلا خطر مثلي؟.. رجل لا يملك سلطة من أي نوع.. بتاع علم بس.
حتى المستشار في البناية المجاورة تحرش به المراهقون وشتموه فاستدعى لهم الشرطة وحينما وضعوا أحدهم داخل البوكس ضحك الولد في مرح وقال: أبي فلان.. بعد عشرين فيمتو ثانية بالضبط كان الوغد خارج السيارة.. الولد ابن لواء.
بواب فيلا تم تمزيق وجهه بالمطاوي؛ لأنه اعترض على تجمهرهم أمام زوجته وبناته.. واستشاط صاحب الفيلا غضباً وذهب لمقابلة المسئولين الكبار، فاستبشرنا خيراً باعتبار أنه من الوجهاء الأماثل، ولكن بقي الحال كما هو عليه.. يأتون ويذهبون، لا أحد يعرف لهم أصلاً ولا فصلاً.. كما لو كانوا كائنات قادمة من كواكب أخرى!!.
وهكذا لم يبق أمامي إلا سلاح "الولايا": الدعاء لهم.. كنت أخرج من الشرفة عند الثالثة صباحاً لأحدثهم بلهجة لطيفة تقطر وداً: ياللا يا شباب روحوا بقى.. عايزين ننام الله يكرمكم..
ولكن هيهات!!! ينصرفون في الوقت الذي يروق لهم، ويعتبرون ذلك رجولة وكرامة!!!.
وأخيراً سخنت.. فعلت الكيمياء المجهولة فعلها ذات مرة، فخرجت إلى الشرفة وبصوت جهوري مزلزل يشبه أداء "يوسف وهبي" وهو يمطر اللعنات باللهجة الفصحى قلت لهم:
- الله ينتقم منكم ومن أهلكم.. أفسدتم حياتي وحرمتموني النوم.. طيب عرفنا أنكم لا تخافون منا ولا من الشرطة ولكن ألا تخافون الله؟
وساد الصمت لبرهة.. بعدها حدث الشيء الذي لا أصدقه حتى الآن: انفجروا في الضحك.
.....................
مرة أخرى أعتذر عن ذكر هذه التفاصيل التي لا تعني أحداً، ولكن المغزى يهم الكل بلا استثناء.. يوجد غياب مؤثر للأمن يصل إلى حد فسخ العقد الاجتماعي الذي قام على ذلك المبدأ الواضح بين الحاكم والمحكوم: الحرية نتنازل عنها مقابل الأمن نحصل عليه.
إنها رسالة قصيرة ولكنها بليغة مؤثرة ووصلت الكل بلا استثناء وأتحدى من يقول غير ذلك: حل مشاكلك بنفسك، الشرطة ليس لديها البال الرائق للاهتمام بهذه التفاهات..
هذه الرسالة وصلت "نعمان جمعة" -عميد كلية الحقوق!!!- الذي فشل في تنفيذ حكم قضائي فاستعان بالبلطجية لاقتحام مقر الحزب ووقتهاً –فقط– ظهرت الهمة وقبضوا عليه..
باختصار ليكن مثلك الأعلى هو "مرتضى منصور"، ولكن لا تكرر غلطته، وتخلع حذاءك أمام مندوب رئاسة الجمهورية.
في مصر يمكنك أن تفعل ما تشاء بشرط واحد ألا يكون موجهاً ضد النظام.. يمكنك أن تصنع مطباً صناعياً أمام منزلك وتدشدش كل السيارات العابرة بدون رخصة من المرور.. يمكنك أن تضع جنزيراً لتمنع السيارات من الوقوف أمام محلك التجاري باعتبار أن الطريق العام ميراث المرحوم والدك.. يمكنك أن تفتح عيادة طبية وتكتب عليها أنك خبير في جراحة المخ وثق أن أحداً لن يدقق خلفك.. قف في عرض الطريق.. سر عكس المسموح.. بع شقتك لاثنين.. بل وصل الأمر لإلقاء التماسيح في النيل..!!
وإذا كنت لا تصدق فهذا قد حدث ونشرته الصحف أمس.. معلوماتك طبعاً مثل معلوماتي أن التماسيح انقرضت منذ بناء السد العالي بعد أن كانت من أدوات حفظ النظام في البلد، حينماً يتعكر مزاج الفرعون كانواً ينعشون روحه المعنوية بإلقاء أعدائه للتماسيح التي كانت مصابة غالباً بعسر هضم مزمن.
إحدى القرى السياحية أحضرت بعض التماسيح من قبيل الحنين إلى الماضي واستعادة المرح القديم.. لا يوجد ترخيص طبعاً. وأثناء نقل التمساح من قفص لقفص فر الوغد إلى النيل.. عمال القرية كبروا دماغهم ولم يخطروا المسئولين وكفوا على الخبر ماجور.. رغم أن تمساحاً واحداً كفيل بإحداث كارثة بيئية في النهر لو قضم مؤخرة أي تعس تصادف مروره بالنيل للصيد أو التجديف أو حتى لموعد غرامي!!!
ومر أكثر من عام.. وشعر التمساح -بعد أن كبر- بالحنين إلى ملاعب الطفولة (مثلما كان قيس يحن إلى ديار ليلى يقبل ذا الجدار وذا الجدار).. عاد التمساح إلى القرية السياحية فارتعب العاملون لمنظره المخيف بعد أن صار وحشاً.. وقتها فقط أبلغوا الشرطة.. هذه المرة فعلوا شيئاً وأمسكوه.. من الطريف أن ينوه الخبر المنشور في الأهرام إلى (تحريات) العميد فلان التي أدت إلى القبض على المجرم الأثيم..
حتى التماسيح يا ناس!! آه يا غلبي!!
.....................
والخلاصة يا سيدي حينما تحاصرك المتسولات وتسألك إحداهن إحساناً -وهي تدعو لك بطول العمر- فلا تعطهاً شيئاً لأنها بذلك لا تدعو لك.. وإنما تدعو عليك!!!


